علي الهجويري

35

كشف المحجوب

بالسواد الأعظم » « 1 » . وفي الجملة فان أحكام الحقيقة كثيرة ، ولو أراد أحد أن يجمعها لما استطاع ، فليس للطائف اللّه سبحانه وتعالى نهاية . فصل : [ مذهب الملاحدة في المعرفة ] اعلم أن هناك طائفة من السفسطائية يقولون باستحالة معرفة أي شيء ، وان المعرفة ذاتها كلمة لا مدلول لها ، ولكني أقول لهم أنكم تقولون باستحالة المعرفة ، فهل رأيكم هذا صحيح أم باطل ؟ فإن قالوا بصحته فإنهم بذلك يثبتون حقيقة المعروف ، وإن قالوا بعدم صحته فإن الجدل في موضوع استبان خطؤه يكون محض افتراء وليس من العقل في شيء مناقشة مثل هذا الشخص ، وهذا رأى بعض الملاحدة الذين ينتمون للصوفية ، فإنهم يقولون ما دام قد استحال معرفة أي شيء ، فإن نفى المعرفة أكمل من إثباتها . وهي نظرية صادرة عن غاية الغفلة والجهل ، فان نفى المعرفة يلزم أن يكون نتيجة العلم أو الجهل ، ومن المستحيل أن تنفى المعرفة المعرفة ، ولذلك فالمعرفة لا ينفيها الا الجهل القريب من الخزي والشرك والضلال ، وذلك من حيث أن لا صلة للحق بالجهل . وهذا المذهب معارض لمذهب أئمة الصوفية ، ولكنه كثيرا ما ينسب إليهم على يد من سمعوه أو اعتنقوه ، فحسى اللّه فيهم ، العليم بما يقيمون عليه من خطأ ، فلو نالهم الشرع بحكم لسلكوا صراطا سويا ، ولم يفرقوا بين أحبابه بهذا التجديف ولأمعنوا النظر فيما بهم أنفسهم . وإذا كان بعض الملاحدة يدعون أنهم صوفية ، ليستروا ضلالتهم بجمال غيرهم ، وليعيشوا في ستر عزهم ، فلما ذا يتهم الصوفية جميعا بأنهم مثل هؤلاء المدعين ويسلطون على معاملاتهم مكابرة العيان ، ويضعون أقدارهم تحت الأقدام .

--> ( 1 ) ملحوظة : يراجع تخريج الحديث تنبيه الغافلين ص 196 .